علي بن يوسف القفطي

207

إنباه الرواة على أنباه النحاة

قال أبو عليّ القاليّ : كان أبو بكر بن الأنباريّ يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهدة في القرآن . وله أوضاع شتى كثيرة . وكان ثقة ديّنا صدوقا . وكان ممن تقدّم من الكوفيين . وقال غيره : كان ابن الأنباريّ شحيحا ، وكذلك أبو عبد اللَّه نفطويه ؛ إلا أن نفطويه كان يعاشر الناس ويحضر مجالسهم . وكان ابن الأنباريّ لا يفعل ذلك . وكان يأكل كلّ جمعة طباهجة ( 1 ) تصلح له بلحم أحمر ومرّيّ ( 2 ) ، وما أكل له أحد قطَّ شيئا ، وكان ذا يسار وحال واسعة ، ولم يكن له عيال . وكان لنفطويه جوار إحداهن قارئة بالألحان ، وكانت له بنت . ووقف أبو يوسف المعروف بالأقسامى على أبى بكر بن الأنباريّ يوما في جامع المنصور ببغداذ ، فقال له : يا أبا بكر ، قد أجمع سبع فراسخ ناسا على شئ - يعنى أهل بغداذ - فأعطني درهما حتى أفرّق الإجماع ، فقال : وما هذا الإجماع يا أبا يوسف ؟ قال : أجمع أهل البلد عن آخرهم على أنك بخيل . فضحك ولم يعطه شيئا . قال الزّبيديّ : « توفى أبو بكر بن الأنباريّ سنة سبع وعشرين وثلاثمائة يوم الأضحى » وكأنّ الأوّل أثبت ، واللَّه أعلم . قال محمد بن إسحاق النديم في كتابه : « أخذ محمد بن بشار عن أبيه وعن أبي جعفر أحمد بن عبيد ، وأخذ النحو عن ثعلب . وكان أفضل من أبيه وأعلم ، في نهاية الذكاء والفطنة وجودة القريحة وسرعة الحفظ ، وكان مع ذلك ورعا من الصالحين ، لا تعرف له زلَّة . وكان يضرب به المثل في حضور البديهة وسرعة الجواب . وكان أكثر ما يملَّه عن غير دفتر ولا كتاب ، ولم يمت عن سنّ عالية . مات عن دون الخمسين كثيرا . توفى سنة ثمان وعشرين من ذي القعدة ودفن في داره » .

--> ( 1 ) الطباهجة : اللحم المشرح ، معرب « تباهة » . القاموس . ( 2 ) المريّ كدريّ : إدام كالكامخ يؤتدم به . وهو يستعمل لتشهى الطعام ( شرح القاموس ) .